د. محمد عمارة يكتب: الفارق بين الدعوة والتنصير
[21:32مكة المكرمة ] [23/10/2008]
![]()
د. محمد عمارة
كثيرٌ من الأوروبيين والغربيين يسألون كثيرًا من المسلمين: لماذا تمنعون حرية التنصير في بلادكم الإسلامية، في الوقت الذي تدعون فيه إلى الإسلام في البلاد الغربية، وتنشرون فيها دينكم الذي يحرز انتصارات ملحوظة في خارج عالم الإسلام؟!
وكثيرٌ من المسلمين يحارون في الجواب المنطقي والخالي من العصبية والتعصب عن هذا السؤال، والرأي عندي أننا لا بد أن نصارح هؤلاء السائلين بالفروق الجوهرية بين مكانة الإسلام في الدول الإسلامية وموقف هذه الدول منه وبين حال الدين في المجتمعات العلمانية الغربية وموقف تلك الحكومات العلمانية من الدين، مطلق الدين، والفارق بين منهاج الدعوة إلى الإسلام ومناهج التنصير والمنصِّرين.
وهذه الفروق الجوهرية يمكن إجمال أهمها فيما يلي:
1- أن الإسلام يتميز بأنه دين ودولة، ومن ثم فإن حكومات الدول الإسلامية لا يمكن أن تكون محايدةً إزاء هذا الإسلام؛ لأنه مقوِّم من مقوِّمات الاجتماع والسياسة والتشريع والنظام، ومن ثمَّ فإن زعزعته هي زعزعة لمقوِّم من مقوِّمات المجتمع ونظامه، وليس هكذا حال الدين في المجتمعات العلمانية، وخاصةً في ظل النصرانية التي تَدَعُ ما لقيصر لقيصر، وتقف عند خلاص الروح ومملكة السماء؛ لأن إنجيلها ينص على أن مملكة المسيح عليه السلام هي خارج هذا العالم، وهي لذلك قد خلت من السياسة والقانون.
ولهذه الحقيقة، ولهذا الفارق الجوهري، تنفرد المجتمعات الإسلامية بالنص في دساتيرها على أن الإسلام دين الدولة، وكما تجعل “منظومة القيم الدينية” هي “الآداب العامة” التي تحميها الدولة والقانون، ومن ثم فإن هذه الدولة الإسلامية تحافظ على دينها هذا، فلا تفتح الأبواب أمام حرية زعزعته أو ازدرائه والخروج على ثوابته في الاعتقاد والأخلاق والتشريع.
إن الإخلاص للإسلام الدين، ومن ثمَّ حمايته، لا يقلان في الدول الإسلامية عن الإخلاص والحماية للوطن والولاء له، ومن ثمَّ تحريم وتجريم الخيانة له أو الخروج عليه أو التفريط فيه، وتلك خصيصة من خصائص المجتمعات الإسلامية؛ تفرِّق بينها وبين المجتمعات العلمانية واللا دينية، التي تقف حكوماتها محايدة إزاء الدين، مطلق الدين.
ولقد رأينا مجتمعات غير إسلامية اتخذت لنفسها عقيدة فلسفية، مثل الماركسية في البلاد الاشتراكية والشيوعية، فحافظت عليها كمقوِّم من مقوِّمات الاجتماع ونظام الحكم، ومنعت بالدساتير والقوانين التبشير في مجتمعاتها بأية عقيدة مضادة لعقيدتها وفلسفتها.
فالدولة القائم نظامها على عقيدة دينية أو مذهب فلسفي لها موقف متميز عن الدول التي تتخذ موقفًا محايدًا إزاء العقائد والديانات والفلسفات.
2- أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتعرَّض الآن إلى حرب ضروس معلَنة من قِبل مؤسسات الهيمنة السياسية الغربية، والمؤسسات الدينية الغربية، وكثير من مؤسسات الإعلام الغربية العملاقة، ومع ضعف إمكانات “الحمايات الفكرية” في البلاد الإسلامية المستضعفة كان منع حرية “التنصير الرسمي” هو بمثابة “حماية الصناعات الوطنية الضعيفة” في حال انعدام تكافؤ الفرص والإمكانات عند اجتياح الأقوياء للضعفاء.
إن “النشرة الدولية لبحوث الإرساليات النصرانية” قد رصدت سنة 1991م ما لدى إرساليات التنصير الأمريكية وحدها من إمكانات، فإذا هي “جيش” فيه:
- (120.000) مؤسسة تنصيرية.
- (99.000) معهد لتأهيل المنصِّرين الرسميين وتدريبهم.
- (4208250) منصرًّا رسميًّا محترفًا.
- (82.000.000) جهاز كمبيوتر.
- (24.900) مجلة.
- (2.740) محطة للإذاعة والتلفاز.
ولقد أصدرت هذه المؤسسة التنصيرية ووزعت في عام واحد:
- (88610) كتب تنصيرية؛ وذلك غير نسخ “الكتاب المقدس” التي بلغ عدد ما وُزِّع منها في عام واحد (53.000.000) نسخة.
وفي مدارس هذه الإرساليات التنصيرية يدرس:
- (9.000.000) طالب في رياض الأطفال وحدها.. يدرسون في:
- (10677) مدرسة.
ولقد خصَّ إفريقيا وحدها من مؤسسات هذه الإرساليات التنصيرية:
- (140.00) منصِّر محترف.
- و(16.000) معهد للتنصير.
- و(500) مدرسة لاهوتية.
- و(600) مستشفى.
أما ميزانية هذا الجيش التنصيري فإنها تبلغ:
- (163 مليارًا من الدولارات)، ودخل الكنائس العاملة في هذا الحقل هو (9320 مليار دولار).
- وهذا “الجيش التنصيري” الأمريكي يقوده “معهد زويمر” الذي أقيم سنة 1978م، يمثِّل (المخ والجهاز العصبي) للحملة الأمريكية لتنصير المسلمين!.
فهل هناك ذرة من التوازن بين هذا الجيش الذي يمثل الكنيسة الأمريكية وحدها، وبين الأفراد المسلمين الذين يدعون إلى الإسلام؟! وهل يُرجح أن تُستنكر إجراءات “الحماية” التي تمنع “التنصير الرسمي” في البلاد الإسلامية المستضعفة إزاء هذا الاجتياح؟!
“الغزو الفكري والمسخ الحضاري”
يعترف المنصِّرون بأن الإرساليات التنصيرية تعتبر أن نمو المادية والعلمانية قد يؤدي إلى تخفيف حدة العداء لتنصير المسلمين، فيتوسلون إلى تنصير المسلمين حتى بالكفر والجحود والإنكار المطلق للدين، ولقد رفضوا الالتزام بالحرية والإقناع في عملية التنصير، ولم يستبعدوا الجهود القسرية في تحويل المسلمين عن دينهم.
وعلَّقوا على بيانات (مجلس الكنائس العالمي) التي تتحدث عن الحوار والحرية والإقناع فقالوا:
- إن المجلس لا يرى الحوار بديلاً عن تحويل غير النصارى إلى النصرانية، بل ربما كان الحوار مرحلةً من مراحل التنصير، وإن هذه البيانات الجديدة لا تعني تخلي المجلس عن مواقفه المناصرة للجهود القسرية والواعية والمتعمدة والتكتيكية لجذب الناس من مجتمع ديني إلى آخر.
- في ظل وجود مؤسسات عملاقة ذات إمكانيات بشرية وتقنية ومادية هائلة متخصصة في ميدان التنصير للمسلمين، فإن هذا التنصير قد خرج عن أن يكون مجرد دعوة إلى النصرانية ليصبح أداةً من أدوات الغزو الفكري والتغريب والمسخ الحضاري الذي يستعين على ذلك كله حتى بالاستعمار وجيوشه وحكوماته.
ولقد رأينا ذلك وخبرناه وعانينا منه في إفريقيا وآسيا عندما تم تنصير قطاعات كبيرة من البلاد الإسلامية بواسطة الحماية الاستعمارية للمنصِّرين.
حدث ذلك في الفلبين وإندونيسيا والجزائر، ويحدث ذلك الآن على أرض أفغانستان والعراق والشيشان والسودان والصومال؛ لذلك لم يكن التنصير- ولم يعد- مجرد دعوة إلى النصرانية لهداية إنسان إلى طريقها في الخلاص، وإنما كان لا يزال جزءًا من الحرب الاستعمارية الغربية على عالم الإسلام وأمته وحضارته في الوقت الذي لم يكن فيه للإسلام تاريخيًّا وحتى الآن مؤسسات تبشيرية، وإنما اعتمد في انتشاره على القدوة والأسوة الحسنة، وتمت أغلب انتصاراته في ظل الضعف والاستضعاف للحكومات التي حكمت بلاده.
- إن المسلمين الذين يدعون غيرهم إلى الإسلام لا يخلو هؤلاء المدعوون من إحدى ثلاث حالات:
أ- أن يكون المدعو وثنيًّا ليس على دين من الديانات السماوية الثلاث:
وفي هذا الحال تكون دعوة الوثني أو اللا ديني إلى الإسلام هي دعوةً إلى الإيمان بالديانات السماوية الثلاث التي يتفرد الإسلام بالإيمان بها والاحتضان لأصولها والاحترام لكتبها ورسلها، ومن ثم فإن الدعوة إلى الإسلام والتبشيرية بين الوثنيين واللا دينيين لا يمثِّل كفرًا أو ازدراءً لأيٍّ من الديانات السماوية، بل على العكس فإن فيه التبشير بكل نبوات السماء رسالاتها وشرائعها وكتبها ومنظومات قيمتها وأخلاقها.
ب- وفي حال ما إذا كان المدعو إلى الإسلام يهوديًّا:
فإن دعوته إلى الإسلام لا تمثِّل ازدراءً لليهودية ولا النصرانية ولا كفرًا بهما، وإنما هي على العكس؛ تتضمَّن بقاء الإيمان والاحترام لليهودية وإضافة الإيمان والاحترام إلى النص
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |